كشف تقرير للصحافية إفرات برينر في صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد لإبلاغ نظيره التركي رجب طيب أردوغان، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة هذا الأسبوع في أنقرة، باستعداده لإعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات "F-35"، في خطوة تمثل تحولًا جذريًا في السياسة الأميركية، بعدما كان ترامب نفسه قد فرض قبل 7 سنوات حظرًا اقتصاديًا وأمنيًا على أنقرة لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وبحسب التقرير، أكد 4 مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية أن هذه المبادرة جاءت بعد أسابيع من العمل خلف الكواليس بين مسؤولين أمنيين، إلا أنها لا تزال تواجه عقبات قانونية كبيرة ومعارضة قوية داخل الكونغرس الأميركي.
ووفقًا للمصادر، قد يبدأ تنفيذ الخطة عبر تبادل رسائل رسمية بين ترامب وأردوغان خلال الزيارة المرتقبة. كما أكد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أن الرئيس كلّف فريقه بالبحث عن مخرج قانوني يسمح بإتمام الصفقة، موضحًا أن وزير الدفاع بيت هيغسيث يدرس الملف حاليًا للتحقق من استيفاء الشروط القانونية الأميركية.
وتتمثل العقدة الأساسية في قانون أقره الكونغرس عام 2020 يمنع بيع مقاتلات "F-35" لتركيا طالما أنها تحتفظ بمنظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400". ولتجاوز هذا الحظر من دون إحراج أردوغان أو دفعه للاعتراف بفشل صفقة المنظومة الروسية، يبحث مسؤولون أمنيون في واشنطن عن آلية قانونية بديلة.
وبحسب التقرير، تشمل الخيارات المطروحة نقل بطاريات "S-400"، التي لا تزال معظمها محفوظة داخل حاوياتها الأصلية ولم تُشغّل حتى الآن، إلى طرف ثالث، أو إبقاءها داخل تركيا بعد تفكيك مكوناتها الأساسية بحيث تصبح غير قابلة للاستخدام. ومن شأن هذا الحل أن يسمح لترامب بإبلاغ الكونغرس بأن تركيا لم تعد تمتلك منظومة تشغيلية، بما يفتح الباب أمام تسليم المقاتلات الموجودة حاليًا داخل الولايات المتحدة.
وكان ترامب قد لمح إلى هذه الخطوة خلال لقائه الأخير مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في المكتب البيضاوي، عندما قال إنه يعتزم تقديم "هدية" لأردوغان ستجعله "سعيدًا جدًا"، مضيفًا باقتضاب: "سنتدبر الأمر".
في المقابل، أثارت المبادرة الأميركية اعتراضات واسعة، يتقدمها موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي هاجم الصفقة خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، قائلاً: "تركيا دولة عظيمة، لكنها تُدار من قبل شخص يدعو علنًا إلى تدمير إسرائيل. إنه يحتل نصف قبرص، وهي دولة عضو في الناتو، ويهدد اليونان، ويتحدث علنًا عن احتلال القدس".
وأشار التقرير إلى أن الآلية القانونية المقترحة لم تُحسم بعد، إذ كانت هناك سابقًا فكرة لنقل منظومات "S-400" إلى أوكرانيا، لكنها سقطت، فيما يبدو أن ترامب وأردوغان لا يرغبان في بيع هذه المنظومات الروسية إلى كييف. ويجري حاليًا بحث خيار تعطيلها عبر إزالة مكوناتها الحيوية.
وتعود جذور الأزمة إلى عام 2019، عندما استُبعدت تركيا من برنامج "F-35" بعد شرائها منظومة "S-400" الروسية، وسط مخاوف أميركية وأطلسية من أن تتمكن الرادارات الروسية من جمع معلومات حساسة عن قدرات التخفي والتكنولوجيا المتقدمة للمقاتلة الأميركية.
وفي ذلك الوقت، أعلن البيت الأبيض أن "مقاتلات F-35 لا يمكن أن تعمل إلى جانب منصة روسية لجمع المعلومات الاستخباراتية يمكن استخدامها لدراسة قدراتها المتقدمة"، مؤكداً أن قرار تركيا يتعارض مع التزامات أعضاء حلف الناتو بالابتعاد عن المنظومات العسكرية الروسية.
كما فرضت واشنطن آنذاك عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية، ولا تزال هذه العقوبات سارية حتى اليوم، فيما بقيت مقاتلات "F-35" التي سبق أن دفعت أنقرة ثمنها مخزنة داخل الولايات المتحدة.
ورغم التفاؤل الذي أبداه السفير الأميركي السابق توماس جيه باراك جونيور في حزيران 2025، عندما توقع إنهاء الأزمة قبل نهاية العام بدعم من الكونغرس، إلا أن الواقع السياسي بدا أكثر تعقيدًا، إذ تشير التقديرات إلى أن المشروع سيواجه معارضة شديدة من مشرعين جمهوريين وديمقراطيين، يتقدمهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور جيم ريش.
ويخلص التقرير إلى أن أبعاد هذه الخطوة تتجاوز مجرد صفقة تسليح، إذ تعكس محاولة من ترامب لإعادة بناء علاقاته مع قادة يعتبرهم حلفاء مقربين، وفي مقدمهم أردوغان، حتى وإن أدى ذلك إلى إثارة انقسامات داخل حلف الناتو وإثارة مخاوف حلفاء تقليديين للولايات المتحدة مثل إسرائيل واليونان، بما يجعل مستقبل الصفقة اختبارًا جديدًا لسياسة واشنطن في المنطقة.