الرئيسية أخبار محلية
الأربعاء 07 - تشرين الأول - 2026

سلام: إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف فعلينا أن نطبقه بكامل بنوده

سلام: إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف فعلينا أن نطبقه بكامل بنوده

أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن مئة عام مرّت على الدستور اللبناني، قائلا: "مئة عام على نصّ لم يولد من فكرة واحدة، ولا من تجربة واحدة، ولا من مصدر فكري واحد. وهذا، في رأيي، ليس تفصيلاً في تاريخ دستورنا، بل هو مفتاح لفهم لبنان نفسه".

وأشار الى أن "الدستور اللبناني ابنُ تعدد، أي تعدد في مصادره الفكرية، وتعدد في التجارب التي سبقته، وتعدد في المجتمع الذي أراد أن ينظّم حياته السياسية".

واعتبر سلام خلال افتتاح معرض "بين سطور الدستور" من المكتبة الوطنية، ان الاحتفال بالدستور لا يعني أن نعود فقط إلى اللحظة التي وُضع فيها النص، بل أن نسأل ماذا فعلنا به، وماذا أضافت إليه تجربتنا، وما الذي بقي ناقصاً، وما الذي تعلمناه بعد قرن كامل من الأزمات والحروب والتسويات.

وأشار الى أن "الدستور اللبناني منذ ولادته جاء حاملاً أكثر من ذاكرة: ذاكرة الإصلاح التي سعت إلى تقييد السلطة بالقانون، وذاكرة النهضة التي بحثت عن المواطن، وذاكرة التجربة اللبنانية في إدارة التنوع، وذاكرة الفكر الدستوري الفرنسي والبلجيكي الذي أعطى الدولة جزءاً كبيراً من بنيتها المؤسسية".

وقال: "الدستور اللبناني كان، إذن، منذ البداية ابنَ تَعَدُّد. لكن التحدي لم يكن يوماً في تعدد المصادر. التحدي كان دائماً: كيف نحول هذا التعدد إلى وحدة سياسية؟ فإذا كان دستور عام 1926 قد أسّس الجمهورية، فإن الاستقلال عام 1943 استكمل سيادتها. فأصبح الدستور دستور دولة مستقلة، وأُلغيت كل المواد المتعلقة بسلطة الانتداب. كما جاء "الميثاق الوطني" ليضيف إلى النص المكتوب تسوية سياسية حول هوية الكيان اللبناني.
كانت تلك التسوية أساسية، لكنها حملت معها أيضاً بذور أزمات لاحقة. فمع الزمن، تحولت بعض التوازنات إلى اختلالات، وبعض الضمانات إلى مبررات للجمود، وبعض التفاهمات إلى أعراف تجاوزت النص. ثم وقعت الحرب عام 1975، ودفع اللبنانيون على مدى نحو خمسة عشر عاماً ثمناً باهظاً لانهيار الدولة وانفجار التناقضات التي لم نعرف كيف نعالجها داخل المؤسسات".

وأضاف رئيس الحكومة: "من قلب تلك االتجارب، ولدت عام 1989، "وثيقة الوفاق الوطني" المعروفة باتفاق الطائف. وأهمية هذا الاتفاق أنه لم يكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب. كان، في جوهره، محاولة جديدة للإجابة عن السؤال نفسه الذي رافق دستورعام 1926: كيف نُدير التعدد من دون أن يتحول إلى صراع على الدولة؟".

وأشار الى أن "الطائف أكّد مجموعة من المبادئ التي يفترض أن يقوم عليها تجديد عقدنا الوطني. فأكد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء. وأكد أن نظامه ديمقراطي برلماني وأنه قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها. وأعاد الطائف توزيع الصلاحيات. نقل السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، فكرّس مبدأ المسؤولية الجماعية. وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب". 

كما لفت الى أن "الطائف أدخل إلى مقدمة الدستور مبادئ أساسية أصبحت جزءاً من تعريف الدولة نفسها: أكّد أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، وأنه لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، كما أكّد الحريات العامة والمساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات".

وقال: "لعل الأهم أن الطائف رسم أيضًا مسارًا لاستكمال بناء الدولة. فقد نص على أن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية". ونص على إنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، بحيث تتمثل فيه العائلات الروحية وتناط به القضايا المصيرية. وهذه الفكرة كانت محاولة للإجابة عن سؤال قديم في التجربة اللبنانية: كيف نحمي الجماعات من دون أن يبقى المواطن مقيدًا طائفيًا في كل حياته السياسية؟".

وأضاف: "نص الطائف أيضًا على تحقيق الإنماء المتوازن، وعلى اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، وإن لم يأتِ الدستور المعدل لاحقًا على ذكرها في نصه. وفي السياق نفسه، ركّز الطائف على أهمية بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وهو الأساس الذي من دونه لا قيامة حقيقية للدولة: فالطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن استعادة الدولة لسلطتها، وعن حل الميليشيات وحصر القوة الشرعية في مؤسساتها. وهذه ليست مسألة أمنية فحسب. إنها مسألة دستورية في جوهرها، إذ لا معنى لسيادة الشعب إذا تعددت مصادر السلطة خارج المؤسسات التي تمثله".

وشدد سلام على "ألا معنى لدولة القانون إذا لم يسرِ القانون على الجميع، ولا تكتمل سيادة الدولة إذا كانت قرارات سيادية، مثل قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني، تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية".

وقال: "لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة: هل طبّقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة، وأجلنا ما كان يفترض أن يطور الدولة؟ كرّسنا المناصفة، لكننا لم ننشئ مجلس الشيوخ. أعلنا أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني، لكننا لم نضع حتى الآن المسار العملي لتحقيقه. تحدثنا عن اللامركزية، لكنها بقيت مشروعاً مؤجلاً. تحدثنا عن إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الإدارة، باستثناء وظائف الفئة الأولى، فإذا بنا، في الممارسة، نوسّع هذه القاعدة لتشمل مختلف فئات الإدارة، وصولًا إلى أدنى الرتب فيها. وقلنا بعدم تخصيص أي وظيفة لأي طائفة، فإذا بمعظم الوظائف العامة تتحول، مع الوقت، إلى مواقع تكاد تكون محجوزة لطوائف محددة دون سواها. وتحدثنا كثيراً عن دولة المؤسسات، فيما سمحنا في محطات كثيرة للأعراف ولتوازنات القوى بأن تتقدم على النص والمؤسسات".

وأضاف سلام: "لذلك، إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف، فعلينا أولاً أن نطبقه بكامل بنوده. ولا يجوز أن نعلن تمسكنا بالطائف فيما نترك جزءاً كبيراً من إصلاحاته معلقاً. ولا يجوز أن يستخدم كل فريق ما يناسبه منه، ثم يتجاهل ما يتوجب عليه من التزاما. وعلينا ثانيًا أن نعمل على  تصحيح ما تم تشويهه من بنود الطائف عند التطبيق وسد الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وأن نطوّر دستورنا، عند الحاجة، وفق قواعده لا بتجاوزه".