كتب عباس قبيسي:
في لبنان، لا تُقاس الأزمات بالأرقام وحدها بل بما تولّده من شعور عام باللاعدالة وبما تتركه من تصدّعات عميقة في الوعي الاجتماعي. فالاقتصاد المُنهك والعملة المنهارة والدولة المتآكلة، أنتجت واقعاً جديداً لم يعُد فيه الفقر حالة استثنائية بل قاعدة يومية يعيشها معظم اللبنانيين، فيما تحوّلت العدالة الاجتماعية إلى شعار رنان بلا مضمون فعلي.
وسط هذا المشهد المأزوم تبرز مسألة رواتب أعضاء الهيئات الناظمة “التي تُحدّد قيمتها بقرار من مجلس الوزراء” كعنوان صارخ للاختلال البنيوي في إدارة الدولة وكمرآة تعكس عمق الهوّة بين السلطة والمجتمع وبين من يملكون القرار ومن يرزحون تحت ثقل السياسات والنتائج، وتثير رواتبهم جدلاً واسعاً بين اللبنانيين ليس فقط بسبب قيمتها المرتفعة جداً مقارنةً بمتوسط الدخل العام بل بسبب الفجوة الصادمة والهائلة بينها وبين الحدّ الأدنى للأجور الذي لم يتجاوز حتى اليوم سقف 310$ بينما تصل مخصصات العضو شهرياً إلى أرقام فلكية وهي بحدود 7000$.
وبحسب دراسة مجلس الخدمة المدنية، تبلغ قيمة المخصصات السنوية للوزراء 1.26 مليون دولار، بينما تصل قيمة المخصصات السنوية لأعضاء الهيئات الناظمة إلى 1.89 مليون دولار في بلدٍ تآكلت فيه القدرة الشرائية وازدادت الضرائب، وتحوّلت هذه الرواتب إلى رمزٍ لاختلالٍ رئيسي في العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد، المفارقة ليست رقمية فحسب بل أخلاقية ووطنية أيضاً، إذ يبدو العامل والمستخدم محاصراً بحكومة تعجز عن حمايته بينما تكافئ مواقع القرار بسخاء قلّ نظيره، هذا التفاوت الصارخ يعكس غياب رؤية اقتصادية عادلة ويعمّق الشعور بالغبن الطبقي، ويكرّس منطق “الدولة بطبقتين” طبقة محمية بالامتيازات، وأخرى عالقة في هامش الصراع من اجل البقاء.
هذه الفجوة لا يمكن قراءتها بوصفها خللاً تقنياً في السياسة المالية فحسب، بل كنتاج مباشر لحكومة أعادت تعريف الأولويات العامة على أساس الامتياز لا على أساس الحاجة، وعلى أساس المواقع لا على أساس الحقوق، فحين يُترك الحدّ الأدنى للأجور أسير أرقام رمزية لا تواكب كلفة المعيشة ونسب التضخم يصبح العمل نفسه فعل نجاة لا فعل كرامة، وتتحوّل الوظيفة من أمان اجتماعي إلى عبء وجودي.
المسألة هنا أعمق من رواتب مرتفعة في مواقع محددة، إنها تتعلق بفلسفة الدولة نفسها هل الدولة جهاز لخدمة المجتمع، أم إطار لحماية النخب المخملية؟ وهل الوظيفة العامة التزام أخلاقي، أم امتياز طبقي؟ وهل العدالة مفهوم دستوري فعلي أم مجرد نصوص خشبية جامدة بلا روح؟
في لبنان اليوم يبدو أنّ المعادلة مختلّة جذرياً العامل يُطالَب بالصبر وتحمّل الوجع والفقر، والموظف الصغير يُطالَب بالتكيّف مع الوضع والطبقة الوسطى تُستنزف بصمت، فيما تُدار الدولة بمنطق التفاوت لا بمنطق التوازن، وبمنطق الامتياز لا بمنطق الإنصاف، وحده تصحيح هذه الفلسفة يمكن أن يعيد المعنى الحقيقي للدولة، دولة الحقوق لا دولة الفوارق الاجتماعية، دولة الكرامة لا دولة الامتيازات.
ختاماً، في بلدٍ فقد توازنه الاجتماعي، لم يعد السؤال كم يتقاضى هذا العضو او ذاك المسؤول بل أيّ دولة نريد؟ وأيّ عقد اجتماعي؟ وأيّ تعريف نمنحه للعدالة الاجتماعية حين يصبح الحدّ الأدنى للأجور مرادفاً للحدّ الأدنى من الحياة فذلك ليس فشلاً اقتصادياً، بل جريمة موصوفة بحق الناس، ودليلاً صارخاً على أنّ الحكومة تخلّت عن وظيفتها الأساسية في حماية مواطنيها، وقرّرت إدارة الفقر بدل محاربته، والتطبيع مع العوز بدل كسره حيث تُختزل الكرامة الإنسانية في أرقام هزيلة لا تؤمّن أبسط شروط البقاء…